السيد عباس علي الموسوي
214
شرح نهج البلاغة
( منيخون بين حجارة خشن وحيات صم ) فمن سوء اختيارهم أنهم اختاروا الإقامة والاستقرار في بلاد ذات أحجار خشنة وحيات صماء لا تسمع وهي شر الحيات وأقواها أذى وضررا هذا إذا أردنا أن نحمل الكلام على ظاهره وقد يراد به المجاز وإن الأعداء من حولهم في خشونة كالحجارة وفي أذية كالحيات الصم الشديدة الإيذاء . . ( تشربون الكدر وتأكلون الجشب ) يشربون الماء الملوث غير الصافي الذي تجمع في غدران وآبار قد سفت عليه الريح بأوساخها وأما أكلهم فقد كان جراد يلتقطونه ودواب يصطادونها من ضب ودب وثعلب وأرنب وأين هذا من موائد غيرهم وطعامهم . . وعابهم بهذا باعتبار ما للغذاء من أثر في نفسية الإنسان ونموه ومزاجه . . ( وتسفكون دماءكم ) فقد كانت الغارات تشن منهم على بعضهم وكانت حروبهم على أتفه الأمور وأحقرها كحرب البسوس وحرب داحس والغبراء وغيرهما من المعارك التي أثارتها أتفه الأسباب وأقلها شأنا . . ( وتقطعون أرحامكم ) فإن هذه الحروب كانت تقطع وشائج القربى وتفصل القريب عن قريبه فقرابة النساء معدومة لا توصل . . ( الأصنام فيكم منصوبة والآثام بكم معصوبة ) فقد كانت كل قبيلة تتخذ صنما لها تعبده من دون اللّه وقد تعرض لها المؤرخون الذين كتبوا في حياة العرب ودياناتهم وعددوا الأصنام وأسماءها واسم كل صنم ولمن كان . . . وأما الآثام فقد كانت محيطة بهم دائرة حولهم لا ينفكون عنها ولا يتركون ممارستها فمن لا يعرف اللّه ينحرف عن عبادته ويأخذ في ممارسة الرذائل والمعاصي ويرتكب الفواحش . . . ثم إن هذا الذي عدده من الرذائل والأمور السلبية يقابلها النعمة العظمى ببعثة رسول اللّه وكيف أن اللّه قد أبدل سوء حالهم بأحسن حال فمن جهة العقيدة قد عادت إليهم عقولهم ورد إليهم رشدهم فاهتدوا إلى اللّه وعبدوه وبتدلت الأحوال الاجتماعية فصفى الود ووصلة الرحم ونبذت الأصنام وهجرت الآثام وحفظت الدماء وعاشوا خير عيشة وأرغد حياة . . ( فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم عن الموت ) يشرح الإمام حالة بعد وفاة رسول اللّه وما حلّ به وبأهله . . إنه نظر إلى ما وقع من أمر الخلافة حيث تمت لأبي بكر في غياب الإمام وبني هاشم فرأى أن القيام في وجه الحالة القائمة يكلفه